ندبت دراسة بحثية للدكتور الزحيلي علماء الأمة وولاة أمورها بسرعة اتخاذ التدابير اللازمة على واقع المسلمين كافة؛ كيما تعود الزكاة إلى سابق عهدها، وتليد مجدها. ولقد بدأت الدراسة صفحتها ببيان أن الزكاة فريضة شرعية، وأنها أحد أركان الإسلام الخمسة التي تُكوِّن دعائم الدين والمجتمع الإسلامي،بل هي أحد الدعامات الأساسية لاقتصاد الدولة الإسلامية- حتى في البلاد التي تخلت عن القيام بوظيفة الزكاة - وتأمين القوت والرفاهية والأمن الغذائي للناس ؛ لأن الزكاة فريضة ابتداء، وقضية دعويـة واجتماعية انتهاء، وهي مسألة أمنية وسياسية وسيلةً، وهي مؤسسة رائدة في النظام الاقتصادي الإسلامي،ولقد أدت وظيفتهـا في المجتمع الإسلامي، وحققـت الأهداف السامية لها،ولا تزال كذلك إلى حد كبير في عصرنا، مع ضعف تطبيقها في العصور المتأخرة، وكادت أن تصبح الفريضة المنسية أو الغائبة، ثم عادت الحياة إلى بعض جوانبها، كيف لا، وهي الركن الوحيد القابل الخصب بالاجتهـادات، وقلما يخلو مؤتمـر أو نـدوة عن الاقتصاد الإسلامي دون أن يتعرض مباشرة إلى موضوع الزكاة. صدّرت الدراسة حديثها -حيال تقويم الجانب النظري للزكاة المعاصرة- بأن فقهاء السلف قد عرضوا أحكام الزكاة بشكل موسع يغطي حاجة المسلمين والمجتمع والدولة في زمنهم، فدشنوا الأصول والمبادئ الأساسية للزكاة، بل وتعرضوا لأحكام ما ندر في زمنهم، ناهيك عما يمكن أن يقع في قادم الأيام مما عرف بالفقه الافتراضي، وتلت الدراسة ذلك بتبيان النواحي الإيجابية النظرية لقضايا الزكاة المعاصرة: بدايةً: بالكتب وما فيها من عرض لأحكام الزكاة عامة بأسلوب عصري، وثوب جديد، ودراسة مقارنة بين المذاهب المختلفة، مع بيان الأدلة والتعليلات والترجيحات، وتعرّض كثير منها لقضايا الزكاة المعاصرة، وبيان الآراء في المستجدات الزكوية في موارد الزكاة والأموال الزكوية، وفي بيان مشمولات مصارف الزكاة التي وردت حصراً في القرآن الكريم، وتعداد الآراء قديماً وحديثاً في تحديد مضمونها، وتوسيع مجالاتها، وفي قمة ذلك «الموسوعة الفقهية» التي أصدرتها وزارة الأوقاف بالكويت في الجزء الثالث والعشرين، كما صدرت كتب خاصة عن الزكاة، بعضها واسع وكبير، وبعضها وسط وصغير كالكتيبات والنشرات، وهي كثيرة جداً. وثانيًا: بالرسائل الجامعية والتي أخذت فيها الزكاة حيزاً كبيراً، وبحثت فيها أحكام الزكاة بحثاً مستفيضاً، وتعرضت لقضايا الزكاة المعاصرة، مع المقارنة، والتدليل، والترجيح، وإبداء الرأي. وثالثاً: بالبحوث والدراسات إما عن أحكام الزكاة الفقهية المعروفـة للتـذكير بها، والإشادة فيها، وبيان وظيفتها الإيمانية والعباديـة والاجتماعية والمحاسبية والاقتصادية، وبعضها بل أهمها تقدم في الندوات والمؤتمرات، وبعضها ينشر في مجلات عامة أو متخصصة، وبعضها يصدر من معاهد، مثل البحوث والدراسات التي نشرها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة في السعودية، ومنها: البحوث والدراسات التي يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بعنوان دراسات في الاقتصاد الإسلامي. -ورابعاً: بالمجلات والصحف والنشرات بعضها خاص بالزكاة كمجلة الزكاة الذي يصدرها ديوان الزكاة بالخرطوم في السودان، وبعضها مختص بالاقتصاد الإسلامي الذي يولي الزكاة أهمية كبيرة، وتحتل فيه الزكاة مساحة واسعة، مثل مجلة الاقتصاد الإسلامي التي يصدرها بنك دبي الإسلامي بدبي في الإمارات العربية، ومجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي التي يصدرها مركز النشر العلمي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة بالسعودية، بالإضافة إلى البحوث والدراسات العديدة المنشورة في المجلات المحكّمة التي تصدر عن الجامعات عامة، والجامعات الإسلامية خاصة. وخامساً: بمؤسسات الزكاة والتي أنشئت إزاء تخلي معظم الدول في البلاد العربية والإسلامية عن رعاية الزكاة واعتبارها إحدى واجباتها المقدسة، ومن أهمها:صندوق الزكاة في الأردن،ولبنان، وسلطنة عُمان، وغيرها، وبيت الزكاة، في الكويت، وديوان الزكاة بالسودان، وهو مؤسسة حكومية رسمية، يضاف إلى ذلك المؤسسات الحكومية الرسمية للزكاة في باكستان والتي التزمت رسمياً بتطبيق الزكاة. وسادساً: بالأنظمة والقوانين من قبل الدول لتطبيق أحكام الزكاة، ومراعاة المستجدات والجوانب المعاصرة، وللاستفادة من الوسائل العلمية والتطورات التي تسهل جباية الزكاة وصرفها، وبعضها إلزامية تقوم الدول على تطبيقها، كالسودان، وباكستان، وإيران، وليبيا، واليمن، وبعضها اختياري وتطوعي دون أن تقوم الدول بإلزام المواطنين بدفع الزكاة وصرفها كالسعودية والأردن وخاصة الكويت التي تسعى لجعل الزكاة إلزامية، وتطرح مشروعاً في ذلك على مجلس الأمة الكويتي، وتمتاز هذه الأنظمة والقوانين بأنها إلزامية أحياناً، وتنظيمية من قبل الدولة أحياناً أخرى، وفيها اختيارات من مختلف المذاهـب الفقهية، وفيهـا تنظيم للمسـتجدات والمتغيرات والقضايا المعاصرة، ولكن بنسب متفاوتة، ودون تغطية كافية لجميع الأحكام والآراء والاجتهادات والفتاوى الصادرة جماعياً في الندوات والمؤتمرات. - وسابعاً: بمؤتمرات الزكاة المتعددة والمتوالية كالمؤتمرات العالمية للزكاة، ومؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، ومؤتمرات ديوان الزكاة في الخرطوم، فضلاً عن مؤتمرات الاقتصاد الإسلامي عامة. وثامنًا: بندوات الزكاة، وأشهر هذه الندوات ما حرص عليه بيت الزكاة بالكويت مع الهيئة الشرعية العالمية للزكاة في الكويت وبالتعاون مع جهات أخرى في عقد ندوة كل سنة عن الزكاة في أحد الأقطار العربية أو الإسلامية، وكان آخرها الندوة الثانية عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة التي عقدت بالقاهرة عام 1423 هـ / 2002 م. وتاسعًا: بملحق المؤتمرات والندوات كمؤتمرات وندوات المجمع الفقهي الإسلامي الدولـي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ومؤتمرات وندوات مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، والمؤتمرات والندوات التي تقيمها الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة، ووزارات الأوقاف، والمؤسسات الحكومية، والجمعيات الخيرية حيث تصدر قرارات وتوصيات وفتاوى مثمرة وبناءةومفيدة، وتمثل الاجتهاد الجماعي، ورأي الأكثرية، وتعتمد على دراسات معمّقة، وبحوث نافعة ومركزة، ومناقشات بنّاءة، وحوارات مفيدة، وتكاد أن تصل إلى مستوى التشريع والنظام لفريضة الزكاة من مختلف جوانبها العلمية والنظرية، والتطبيقية والعملية، والتاريخية والحاضر. وعاشراً: بفتاوى الزكاة حيث يقع عليها العبء الأكبر في بيان الأحكام لقضايا الزكاة عامة، والزكاة المعاصرة. وحادي عشر: بسبر ورصد وحصر أهم قضايا الزكاة المعاصرة كزكاة الشركات، وزكاة الأسهم، وزكاة الثروة الصناعية، وغيرها. وعقبت الدراسة على النواحي الإيجابية في قضايا الزكاة المعاصرة النظرية بقولها: إن الزكاة في الآونة الأخيرة- وبفعل الصحوة الإسلامية- قد شهدت نهضة عظيمة، وتوسعاً في الكم والكيف في التطبيق العملي للزكاة على صعيد الأغنياء عدداً ونوعاً، أو عمقاً وأفقياً، فازداد عدد المزكين في العالم الإسلامي، وتضاعفت أموال الزكاة آلاف الأضعاف،كما أردفت قائلة إن الدراسات النظرية عن قضايا الزكاة المعاصرة امتازت باستعانتها واستشارتها للعلماء ذوي الاختصاصات المتعلقـة بالزكاة كافة، بَيْدَ أنها ولت شطرها تجاه مطرح الزكاة ووعائها دون مصارف الزكاة. وحال تعدادها النواحي السلبية في قضايا الزكاة المعاصرة النظرية- نبهت الدراسة إلى ظهور سلبيات عدة تحتاج إلى مزيد من الدراسة، والوضوح في الرؤية، وتحسين الوسائل والإجراءات التي تتم بها النواحي النظرية، ومن ذلك: 1 – تعدد الآراء: فهو وإن كان يعد ظاهرة صحيّة في الدراسة النظرية، لكنه يؤدي إلى الضياع والارتباك لعموم الناس، وأمام الأنظمة التي تريد رأياً واحداً لتتبنّاه، كما هو جلي مثلاً في قضية استثمار أموال الزكاة. 2- تكرار البحث: في نفس الموضوع الواحـد عـدة مرات، حيث يتم التوصل إلى نفس النتائج مع إضاعة الوقت والمال بدون جدوى، وقد يقع أحياناً تعارض وتناقض بين القرارات أو التوصيات، و الفتاوى الصادرة فيه، مما يؤدي إلى التشويش والبلبلة والاضطراب. 3- عدم التعاون في ظل التطور الحديث في وسائل الاتصال، وسببه-كما ترى الدراسة- التخلف من جهة، ولعلّه متعمد غالباً من جهة ثانية، ومخطط أو موحى إليه من جهة ثالثة. 4- عدم التنسيق بين الندوات بين ما عرض في ندوة سابقة، وما يحسن دراسته لاحقاً، وما يحتاج إلى دراسة وبحث ومناقشة. 5- عدم الترابط بين المؤتمرات. 6- تناثر البحوث:وكأن كلَّ دراسة لاحقة أو مستقبلية تبدأ من الصفر ومن المقدمات، وليس لدى المسلم مجموعة متكاملة من هذه الأعمال العلمية. 7- تخلي الدول عن تشريعات الزكاة: وهذه أهم سلبيات الجانب النظري، وتتضاعف هذه السلبية في الجانب العملي، وتشكل ضربة قاصمة لظهـر الزكاة. 8- الاقتصار على الجوانب النظرية: فمعظم الدراسات والبحوث والمؤتمرات والندوات على الرغم من أهميتها تبقى حبراً على ورق، ولا يطبق منها إلا النزر اليسير، ولا تهتم بترجمة ذلك إلى التطبيق والعمل، واقترحت الدراسة لحل ذلك وجود لجنة متابعة في كل مؤتمر أو ندوة، وأن يرصد لها مبالغ لتؤدي وظيفتها، حتى تقوم اللجنة بمتابعة القرارات والتوصيات، وتسويقها، ونقلها إلى جميع الأطراف ذات الشأن، والسعي إلى ترجمتها إلى الواقع، لتأخذ طريقها إلى التنفيذ الكلي، أو الجزئي على الأقل، مع تقديم التوعية الكاملة على الصعيدين الرسمي والشعبي، والعمل على نشر البحوث والقرارات والتوصيات والفتاوى بأوسع السبل. - وفي ظل تقويم الجانب العملي للزكاة المعاصرة- أشادت الدراسة بتلك الإرهاصات المباركة، والخطوات الرشيدة التي اتخذت، ومنها: أولاً: التطبيق الرسمي للزكاة: حيث بادرت بعض الدول إلى إصدار القوانين والأنظمة لتطبيق الزكاة رسميًا وعملياً، كالسودان، وباكستان إلى حد ما، وليبيا، واليمن، وعملت هذه الدول على جمع الزكاة وجبايتها وتحديد الأموال التي تزكى، وإلزام المكلفين بالزكاة لأدائها، ثم عملت هذه الدول على حصر المستحقين للزكاة من المواطنين، وتحديد مشمولات مصارف الزكاة، وهيأت الموظفين العاملين لجمع الزكاة وتوزيعها، وأقامت المؤسسات والأبنية للعاملين ولحفظ أموال الزكاة، وخصصت وسائل النقل لتوزيع الزكاة ونقلها، واستعانت بالتقنية الحديثة كالحاسب الآلي وغيره لضبط العمل،وجنت نتائج ملموسة وكثيرة، في تحقيـق أهـداف الزكاة ومقاصدها الشـرعية. ثانيًا: التطبيق المؤسسي للزكاة: حيث حققت بعض المؤسسات الخاصة بالزكاة والجمعيات الخيرية والاجتماعية نتائج طيبة في مساعدة الفقـراء والمسـاكين، ورعاية اليتامى والأرامل، والمساهمة في الدعوة ونشـر العلم الشرعي، وساهمت في تخفيف المآسي والويلات والنكبات والنوازل التي تقع بالمسلمين في مختلف الأصقاع، وقدمت رعاية ملموسة لبعض الأقليات المسلمة في سائر البقاع. ثالثًا: التطبيق الفردي الاختياري:حيث يقوم كثير من المسلمين في جميع البـلاد الإسلامية بأداء الزكـاة بأنفسهم طـوعاً واختياراً، نتيجة الوازع الديني،وكان لهذا التطبيق الاختياري للزكاة أثـره المحمود في عدة مجالات. رابعًا: هيئات شرعية للزكاة: حيث تم في بعض البلاد الإسلامية تعيين لجنة من العلماء المختصين بالفقه الإسلامي لمتابعة فريضة الزكاة، لتكون المرجع للموظفين والعاملين، لتوضح لهم الأحكام الشرعية، وتبين لهم السبل السديدة لتطبيقها. خامسًا: الآثار العملية لتطبيق الزكاة المعاصرة: ساهم تطبيق الزكاة المعاصرة إلى حل مشكلة الفقر إلى حد كبير، وقضت الزكاة على مأساة الموت جوعًا التي تنتشر في البلاد الفقيرة، والدول المتخلفة، ولكنها لم تقض على الفقر، كما ساهمت الزكاة في حل مشكلة البطالة بتشغيل عدد من العمال والموظفين لجمع الزكاة وتوزيعها، وحتى للتبرع بتقديم المحاسبين لحساب زكاة الأغنياء والتجار، كما ساهمت في التكافل الاجتماعي إلى حد معقول، وذلك عن طريق سهم الغارمين، ودفع الديـات، وإنقاذ المقطوعين « أبناء السبيل» والمشاركة في أعباء الزواج للشباب، وساهمت كذلك في مجال الدعوة ونشر الإسلام ودعم الجهاد في سبيل الله، وتحرير، وتقديم العون المادي للمجاهدين وذويهم، وكفالة أبناء المجاهدين وعائلاتهم في عدة بلدان، وأدت دورًا ملموسًا ورشيدًا لدعم الأقليات الإسلامية وحمايتها من التنصير، وخاصة في أفريقيا وآسيا والجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق، وساهمت أيضًا في المساعدات الإنسانية للمسلمين عند وقوع الكوارث والنكبات والزلازل والفيضانات وانهيار السدود وغير ذلك، وساهمت في وتثبيت صفات الإيمان أمام الثالوث القاتل وهو الفقر والمرض والجهل،وكان تطبيق الزكاة معلمًا بارزًا في الصحوة الإسلامية المعاصرة، وفي حياة المسلمين، وخاصة بعد أن تخلت أكثر الدول في البلاد العربية والإسلامية عن تطبيق الإسلام. سادسًا: الاستفادة من التقنيات الحديثة:قامت جهات قليلة جدا من الاستفادة من التقنيات الحديثة في جمع الزكاة وصرفها، وفي حصر الأموال الزكوية، وتحديد الأغنياء الذين تتوجب عليهم الزكاة، وضبط عملية الجمع والإنفـاق والصرف والتوزيع. سابعًا: الهيئة الشرعية العالمية للزكاة بالكويت: وتأسست في 7/2/1408 هـ 30/9/1987 م لتكون مرجعا في حل المشكلات والقضايا المعاصرة، ووضع الدراسات اللازمة لتطبيقها على الوجه الأمثل، ولا تختص بدولة أو مؤسسة، وتشكلت من فقهاء الشريعة والعلماء في الاختصاصات ذات الصلة، ولها صفة عالمية لتنوع أعضائها وبلدانهم وإقامتهم. وكشفت الدراسة عن العديد من النواحي السلبية العملية في تطبيق الزكاة المعاصرة، وأهمها ما يلي: أولاً: تخلي الدولة عن تطبيق الزكاة: حيث أدارت الدول ظهرها عن وظيفتها الدينية الرسمية لتطبيق الزكاة، والإلـزام بها، وجبايتها، وصرفها حسب الأحكام الشرعية، بل وإصدار التشريعات المنظمة لها بما يتفق مع العصر، وبما يتناسب مع التقدم والتطور الذي وصل إليه العالم الإسلامي.والأخطر من ذلك، والأنكى، أنه ظهرت دعوة جديدة اليوم - وقد تكون معذورة مع انتشار الفساد المستشري عند بعض المسؤولين-للتحذير من تمكين الدول المعاصرة من الزكاة الشرعية، أو من وضع يدها على هذه الفريضة المقدسة، مع الحرص على إبعاد الزكاة عن أجهزة الدولة، لما في ذلك من مخاطر الضياع والتشتيت والفساد والإفساد، والعبث بأحد أركان الإسلام، قياسًا على الواقع الملموس في معظم الأوقاف الإسلامية التي عبثت بها وضيَّعتها وشوهـت صورتها. ثانيًا: التطبيق الجزئي للزكاة : نتج عن الأمر السابق أن الزكاة المعاصرة لا تطبق اليوم إلا جزئيا، وفي مجال ضيق، سواء في تحديد الأموال الزكوية وحصرها، أو في تتبع الأموال المستجدة، أو في جمع الزكاة، أو في توزيعها. والعلة في ذلك ضعف الإيمان، ورقة التدين لدى كثيرين من الأغنياء اليوم والتهرب من الواجبات الدينية التي لا تدعمها السلطة والتشريع، مع الركون إلى الطمع المادي، والجشع في الاكتناز، والحرص على الدنيا، وبالتالي أصبح الجم الغفير من الفقراء والمساكين يقبعون تحت ناب الفقر والمسكنة، والمذلة والمهانة، وهذا يؤكد مقولة الإمام علي كرم الله وجهه: « ما جاع فقير إلا بما أُتْرِفَ به غني، وإن الله تعالى فَرَضَ في أموال الأغنياء ما يسدُّ به حاجة الفقراء « وهذا ما أكدته الدراسـات المعاصرة، والإحصائيـات العمليـة. ثالثًا: التطبيق المشوَّه للزكاة: ونتج – أيضاً – عن غياب الزكاة الفريضة المنسية، أو تغيب الدولة عن تطبيق الزكاة، أمر خطير وهو سوء التطبيق، وتشويه التنفيذ، وذلك في صور عديدة، فمن ذلك: 1- توزيع الزكاة كيفيًا: وبشكل عشوائي، وبدون حصر للمستحقين للزكاة، وبدون تأكد من صفاتهم، وبدون تنظيم مشترك، ولذلك يثري بعضهم، وخاصة من يلح بالطلب، ويتظاهر بالفقر، ويدعي الحاجة، ويبقى فريق آخر محرومًا، يَعضُّه الدهر بأنيابه، ويتعفف عن السؤال، وينطبق عليه قوله تعالى: « يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا »، مع وجود الأعداد الكبيرة في المناطق النائية، أو البلدان الأخرى ممن هـم دون مستوى الفقر. 2- عدم الاستعانة بالتقنية الحديثة: فلا يزال تطبيق الزكاة المعاصرة يعتمد في الغالب على الوسائل البدائية، ويفتقد الأجهزة الحديثة، ووسائل التقنية المتطورة، فأنّى له أن يحقق الأهداف المرجّوة. رابعًا: التخلف في قضايا الزكاة: 1-المؤسسات الزكوية: تخلو معظم بلاد المسلمين من وجود مؤسسات متخصصة ومتفرغة لمحاسبة الزكاة، لحصرها، وجمعها، وتوزيعها. 2-الهيئات الشرعية: تخلو معظم بلاد المسلمين اليوم من وجود هيئات شرعية من كبار العلماء يتابعون أمـور الزكاة، ويجتهدون في القضايا المعاصرة، والمستجدات الدائمة. 3- تعطيل الاجتهادات الجديدة: وذلك لعدم الوعي الكافي لها من جماهيرالناس، وعـدم الالتزام بها رسميًا في التشـريع والأنظمة، وعدم المتابعة والاهتمام من المؤسسات والجمعيات، وينتج عن ذلك التطبيق الجزئي للزكاة. خامسًا: الخطأ في صرف الزكاة: وينتج عن الأمور السابقة وقوع الخطأ الفاحش في توزيع الزكاة وصرفها في بعض الأحيان، فلا تقع الزكاة موقعها الشرعي، أو تتجاوز الحدود والشروط التي وضعها الفقهاء لاستحقاق الزكاة كالغارم وابن السبيل، وفي سبيل الله، أو دفعها لغني، أو ذي مرة قوي، أو دفعها لمن تجب له النفقة من الزوجة والأقارب، أو دفعها لبناء مسجد « وهو لا يجوز إلا على رأي وعند الضرورة القصوى التي حددها الفقهاء « أو دفع الزكاة لبناء مدرسة، أو لمستشفى خيري يقصده الفقراء والأغنياء، ويؤمه المسلم وغير المسلم، فينتفع بثمرات الزكاة من لا يستحقها، ويحرم منها أهلها، وفي هذه الحالة لا تبرأ ذمة المزكي، ولا تتحقق أغراض الزكاة، ومقاصدها الشرعية، وسبق الحديث الشريف: « إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقة» أي في صرف الزكاة «حتى حكـم فيها فجـزأها ثمانية أجزاء» ، وكثيرًا ما تعطى الزكاة للعاملين في جمعية خيرية، أو تعاونية، أو اجتماعية، ممن لا يؤدون خدمة مباشرة في جباية الزكاة وصرفها، بحجة أنهم من صنف العاملين عليها، ولا تنطبق عليهم صفات بقية الأصناف، وقد تعطى الزكاة لبناء المساجد العامة التي ليس لها صلة بالدعوة والدعاة ونشر الإسلام « سهم في سبيل الله» بحجة أن هذه المدارس للعلم، وأن الإسلام يدعو إلى تحصيل العلم وطلبه، وفي بعض البلاد العربية تجمع الدول الزكاة من شعبها، ثم تصرفه على الدعوة الإسلامية خارجيًا من وجهة نظرها، وتحرم الفقراء والمساكين وغيرهم من أبناء شعبها ممن يستحق الزكاة شرعاً.